الاثنين، 4 نوفمبر 2013

أسياج....


كدأب آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ
(52)
ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
(53)
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ
(54)

سورة الأنفال 

..........

(كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ; كفروا بآيات الله , فأخذهم الله بذنوبهم , إن الله قوي شديد العقاب). .
إن الله - سبحانه - لا يكل الناس إلى فلتات عابرة , ولا إلى جزاف لا ضابط له . . إنما هي سنته يمضي بها قدره . .

وما أصاب المشركين في يوم بدر , هو ما يصيب المشركين في كل وقت ; وقد أصاب آل فرعون والذين من قبلهم:
(كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم). .

ولم يعجزوه - سبحانه - ولم يتخلف عنهم عقابه:
(إن الله قوي شديد العقاب).

ولقد آتاهم الله من نعمته , ورزقهم من فضله , ومكن لهم في الأرض , وجعلهم خلائف فيها . . وهذا كله إنما يعطيه الله للناس ابتلاء منه وامتحاناً , لينظر أيشكرون أم يكفرون ? ولكنهم كفروا ولم يشكروا ; وطغوا وبغوا بما أعطوا , وغيرتهم النعمة والقوة فصاروا جبابرة وطواغيت كفرة فجرة . . وجاءتهم آيات الله فكفروا بها . . وعندئذ حقت عليهم سنة الله في أخذ الكافرين بعد أن تبلغهم آياته فيكذبوا بها . . وعندئذ غير الله النعمة , وأخذهم بالعذاب , ودمر عليهم تدميراً:

(ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . وأن الله سميع عليم . كدأب آل فرعون والذين من قبلهم . كذبوا بآيات ربهم , فأهلكناهم بذنوبهم , وأغرقنا آل فرعون . وكل كانوا ظالمين). .

لقد أهلكهم الله بعد التكذيب بآياته . ولم يهلكهم قبلها سبحانه - مع أنهم كانوا كافرين - لأن هذه سنته ورحمته: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً). . وهو يعبر هنا عن آل فرعون والذين من قبلهم من أمثالهم الذين كذبوا بآيات الله فأهلكهم . . بأنهم (كانوا ظالمين). . مستخدماً لفظ "الظلم" بمعنى "الكفر" أو "الشرك" وهذا هو الاستعمال الغالب في القرآن . .

ولا بد أن نقف قليلاً عند نص هذه الآية:
(ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). .

إنه , من جانب , يقرر عدل الله في معاملة العباد ; فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم , ويبدلوا سلوكهم , ويقلبوا أوضاعهم , ويستحقوا أن يغير ما بهم مما أعطاهم إياه للابتلاء والاختبار من النعمة التي لم يقدروها ولم يشكروها . . ومن الجانب الآخر يكرم هذا المخلوق الإنساني أكبر تكريم , حين يجعل قدر الله به ينفذ ويجري عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله ; ويجعل التغيير القدري في حياة الناس مبنياً على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وعملهم , وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم . . ومن الجانب الثالث يلقي تبعة عظيمة - تقابل التكريم العظيم - على هذا الكائن .

فهو يملك أن يستبقي نعمة الله عليه
ويملك أن يزاد عليها , إذا هو عرف فشكر ; كما يملك أن يزيل هذه النعمة عنه إذا هو أنكر وبطر , وانحرفت نواياه فانحرفت خطاه .

وهذه الحقيقة الكبيرة تمثل جانباً من جوانب "التصور الإسلامي لحقيقة الإنسان" ; وعلاقة قدر الله به في هذا الوجود ; وعلاقته هو بهذا الكون وما يجري فيه . .

ومن هذا الجانب يتبين تقدير هذا الكائن في ميزان الله ; وتكريمه بهذا التقدير ; كما تتبين فاعلية الإنسان في مصير نفسه وفي مصير الأحداث من حوله ; فيبدو عنصراً إيجابياً في صياغة هذا المصير - بإذن الله وقدره الذي يجري من خلال حركته وعمله ونيته وسلوكه - وتنتفي عنه تلك السلبية الذليلة التي تفرضها عليه المذاهب المادية , التي تصوره عنصراً سلبياً إزاء الحتميات الجبارة . حتمية الاقتصاد , وحتمية التاريخ , وحتمية التطور . . . إلى آخر الحتميات التي ليس للكائن الإنساني إزاءها حول ولا قوة , ولا يملك إلا الخضوع المطلق لما تفرضه عليه وهو ضائع خانع مذلول !

كذلك تصور هذه الحقيقة ذلك التلازم بين العمل والجزاء في حياة هذا الكائن ونشاطه ; وتصور عدل الله المطلق , في جعل هذا التلازم سنة من سننه يجري بها قدره , ولا يظلم فيها عبد من عبيده:
وان الله ليس بظلام للعبيد . .

من ظلال القرآن لسيد قطب *

..............

اشتعل الظلام
أحاطه من كل الاتجاهات
حبس داخل جدران ذاته
توحد
و
استوحش
سحب حزنه ظللته
وأمطرت تسقيه هما على هم
ازدادت أسياج حبسه تطبق على صدره
وهوى صريع استسلام
يريد الخروج
يتمنى
يحلم
ويرسم أماني على جدران ذاته
تتلاشى الأماني في خضم الظلام
ويزداد توحدا
يود البكاء
العويل
الصراخ
علّ 
أحدا يسمعه
علّ
يد تنتشله من براثن سجنه
بكى ذاته في صمت 
...واذا بقطرات دمعه تتلألأ
يرى في مرآتها خلاصه
يرى نفسه المنكسرة على حقيقتها
يدرك كنه المشكلة
 !انه حبيس ذاته
قرر الخروج
أمسك بأسياج وحدته
وجعل يزيحها باصرار
حتى 
استطاع الخروج
واذا بشمس ذاته تشرق من جديد .....

نُشرت بتاريخ
31 July 2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق