وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ
(99)
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ
(100)
فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ
(101)
سورة الصافات
..........
تجيء الحلقة الثانية من قصة إبراهيم في سورة الصافات. . لقد انتهى أمره مع أبيه وقومه . لقد أرادوا به الهلاك في النار التي أسموها الجحيم , وأراد الله أن يكونوا هم الأسفلين ; ونجاه من كيدهم أجمعين .
عندئذ استدبر إبراهيم مرحلة من حياته ليستقبل مرحلة ; وطوى صفحة لينشر صفحة:
(وقال:إني ذاهب إلى ربي سيهدين). .
هكذا . . إني ذاهب إلى ربي . . إنها الهجرة . وهي هجرة نفسية قبل أن تكون هجرة مكانية . هجرة يترك وراءه فيها كل شيء من ماضي حياته . يترك أباه وقومه وأهله وبيته ووطنه وكل ما يربطه بهذه الأرض , وبهؤلاء الناس .
ويدع وراءه كذلك كل عائق وكل شاغل . ويهاجر إلى ربه متخففاً من كل شيء , طارحاً وراءه كل شيء , مسلماً نفسه لربه لا يستبقي منها شيئاً . موقن أن ربه سيهديه , وسيرعى خطاه , وينقلها في الطريق المستقيم .
إنها الهجرة الكاملة من حال إلى حال , ومن وضع إلى وضع , ومن أواصر شتى إلى آصرة واحدة لا يزحمها في النفس شيء . إنه التعبير عن التجرد والخلوص والاستسلام والطمأنينة واليقين .
وكان إبراهيم حتى هذه اللحظة وحيداً لا عقب له ; وهو يترك وراءه أواصر الأهل والقربى , والصحبة والمعرفة . وكل مألوف له في ماضي حياته , وكل ما يشده إلى الأرض التي نشأ فيها , والتي انحسم ما بينه وبين أهلها الذين ألقوه في الجحيم ! فاتجه إلى ربه الذي أعلن أنه ذاهب إليه . اتجه إليه يسأله الذرية المؤمنة والخلف الصالح:
(رب هب لي من الصالحين). .
واستجاب الله دعاء عبده الصالح المتجرد , الذي ترك وراءه كل شيء , وجاء إليه بقلب سليم . .
(فبشرناه بغلام حليم). .
هو إسماعيل - كما يرجح سياق السيرة والسورة - وسنرى آثار حلمه الذي وصفه ربه به وهو غلام . ولنا أن نتصور فرحة إبراهيم الوحيد المفرد المهاجر المقطوع من أهله وقرابته . لنا أن نتصور فرحته بهذا الغلام , الذي يصفه ربه بأنه حليم .
من ظلال القرآن لسيد قطب *
...........
نيران تتوعده
وأدخنة كِبر تحاوطه...
وعناد عقول يغلق عليه الدائرة ...
يوشك أن يحترق...
يحادثها ربها أن كوني بردا وسلاما على خليلي...
تُقبل بلهبها الرحيم جبينه ...
يأنس ببرودتها ويطمئن قلبه...
يخرج منها سالما...الى أرض ذاته...
محطما كل قيود قومه...
تاركا كل أساطير الماضي...
والى أرض ذاته ...
استزاد بخليله...
وذهب اليه في دواخل نفسه...علّه يهديه ...
وطلبَ طَلُب المُحب...
أن أقر عيني بقِطَع مني...
فاقتطع له من حِلمه حِلم....
........
نٌشرت بتاريخ
15 August 2012
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق