الاثنين، 4 نوفمبر 2013

أطوار...


الله الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54)  سورة الروم
............

 (الله الذي خلقكم من ضعف)
. . ولم يقل خلقكم ضعافا أو في حالة ضعف إنما قال: (خلقكم من ضعف)كأن الضعف مادتهم الأولى التي صيغ منها كيانهم . . والضعف الذي تشير الآية إليه ذو معان ومظاهر شتى في تكوين هذا الإنسان .
إنه ضعف البنية الجسدية الممثل في تلك الخلية الصغيرة الدقيقة التي ينشأ منها الجنين . ثم في الجنين وأطواره وهو فيها كلها واهن ضعيف . ثم في الطفل والصبي حتى يصل إلى سن الفتوة وضلاعة التكوين .

ثم هو ضعف المادة التي ذرأ منها الإنسان . الطين . الذي لولا نفخة من روح الله لظل في صورته المادية أو في صورته الحيوانية , وهي بالقياس إلى الخلقة الإنسانية ضعيفة ضعيفة .

ثم هو ضعف الكيان النفسي أمام النوازع والدفعات , والميول والشهوات , التي لولا النفخة العلوية وما خلقت في تلك البنية من عزائم واستعدادات , لكان هذا الكائن أضعف من الحيوان المحكوم بالإلهام .

(الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة)
. . قوة بكل تلك المعاني التي جاءت في الحديث عن الضعف . قوة في الكيان الجسدي , وفي البناء الإنساني , وفي التكوين النفسي والعقلي .

(ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة). .
ضعفا في الكيان الإنساني كله . فالشيخوخة انحدار إلى الطفولة بكل ظواهرها . وقد يصاحبها انحدار نفسي ناشئ من ضعف الإرادة حتى ليهفو الشيخ أحيانا كما يهفو الطفل , ولا يجد من إرادته عاصما . ومع الشيخوخة الشيب , يذكر تجسيما وتشخيصا لهيئة الشيخوخة ومنظرها .

وإن هذه الأطوار التي لا يفلت منها أحد من أبناء الفناء , والتي لا تتخلف مرة فيمن يمد له في العمر , ولا تبطئ مرة فلا تجيء في موعدها المضروب .

إن هذه الأطوار التي تتعاور تلك الخليقة البشرية لتشهد بأنها في قبضة مدبرة , تخلق ما تشاء , وتقدر ما تشاء , وترسم لكل مخلوق أجله وأحواله وأطواره , وفق علم وثيق وتقدير دقيق:
(يخلق ما يشاء وهو العليم القدير). .


من ظلال القرآن لسيد قطب *

..........

صغير جدا...
ينكفيء على ذاته...
تحيطه ظلمة ...
يتحسس الضوء... ويتسمع صوت موج....
يشعر بدفيء عجيب...
يظل على حالة تأمله زمن...
يألف السكن...
ثم تأتي لحظة خروج... الى عالم صخب...
يخرج...
يصرخ ...
ويرسم بصرخته بسمة على أفواه... المكان هنا أكثر اتساعا...
والروائح مختلطة ...
في الداخل كان أكثر أمنا...
هنا الأصوات كثيرة ومتداخلة...
ألتقفته أيد بها حرارة عجيبة...
قشعريرة تصيبه...
خواء
وشعور بالنقص...
وخزة جوع
ثم بكاء ...
تحتضنه وتلقمه ثديها...
وترتوي تفاصيله بها...
يسكن.. يخلد للنوم...
ويستيقظ من سبات حنان...
يحبو..
يقف...
ويطيح بكل تفاصيل غرفته...
يقفز على لحظات حياته...
يتعلق بأسوار شبابه..
ويُفتَتَن..
يمكث زمن...
ويتدحرج كما الكُرة...
ينحني نحو أرض..
ثم
يغوص !

نُشرت بتاريخ
11 August 2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق