إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً
(19)
إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً
(20)
وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً
(21)
سورة المعارج
............
لكأنما كل كلمة لمسة من ريشة مبدعة تضع خطا في ملامح هذا الإنسان . حتى إذا اكتملت الآيات الثلاث القصار المعدودة الكلمات نطقت الصورة ونبضت بالحياة . وانتفض من خلالها الإنسان بسماته وملامحه الثابتة . هلوعا . . جزوعا عند مس الشر , يتألم للذعته , ويجزع لوقعه , ويحسب أنه دائم لا كاشف له . ويظن اللحظة الحاضرة سرمدا مضروبا عليه ; ويحبس نفسه بأوهامه في قمقم من هذه اللحظة وما فيها من الشر الواقع به .
فلا يتصور أن هناك فرجا ; ولا يتوقع من الله تغييرا . ومن ثم يأكله الجزع , ويمزقه الهلع . ذلك أنه لا يأوي إلى ركن ركين يشد من عزمه , ويعلق به رجاءه وأمله . . منوعا للخير إذا قدر عليه . يحسب أنه من كده وكسبه فيضن به على غيره , ويحتجنه لشخصه , ويصبح أسير ما ملك منه , مستعبدا للحرص عليه !
ذلك أنه لا يدرك حقيقة الرزق ودوره هو فيه . ولا يتطلع إلى خير منه عند ربه وهو منقطع عنه خاوي القلب من الشعور به . . فهو هلوع في الحالتين . . هلوع من الشر . هلوع على الخير . . وهي صورة بائسة للإنسان , حين يخلو قلبه من الإيمان .
ومن ثم يبدو الإيمان بالله مسألة ضخمة في حياة الإنسان . لا كلمة تقال باللسان , ولا شعائر تعبدية تقام . إنه حالة نفس ومنهج حياة , وتصور كامل للقيم والأحداث والأحوال . وحين يصبح القلب خاويا من هذا المقوم فإنه يتأرجح ويهتز وتتناوبه الرياح كالريشة !
ويبيت في قلق وخوف دائم , سواء أصابه الشر فجزع , أم أصابه الخير فمنع . فأما حين يعمره الإيمان فهو منه في طمأنينة وعافية , لأنه متصل بمصدر الأحداث ومدبر الأحوال ; مطمئن إلى قدره شاعر برحمته , مقدر لابتلائه , متطلع دائما إلى فرجه من الضيق , ويسره من العسر . متجه إليه بالخير , عالم أنه ينفق مما رزقه , وأنه مجزي على ما أنفق في سبيله , معوض عنه في الدنيا والآخرة . . فالإيمان كسب في الدنيا يتحقق قبل جزاء الآخرة , يتحقق بالراحة والطمأنينة والثبات والاستقرار طوال رحلة الحياة الدنيا .
من ظلال القرآن لسيد قطب *
................
في القمقم
انزوى !
يرى من وراء زجاجه فقاقيع متطايرة
لا يستطيع أن يشارك الأطفال فقاقيعهم
ورأى فرشاة ألوان تبدع
لكنه لا يستطيع أن يمسك بالفرشاة
رأى اللوحة تبتسم للفرشاة
وتجذبها اليها
في تعانق فريد للصداقة
ورأى بساط يُنسج بخيوط مخملية ينسجها بشر يبتسمون ويتسامرون
ورأى فراشات تحلق
وأزهار ترقص
رأى فتاة صغيرة تجدل ضفائرها على ضفة النهر
ورأى النهر يحيها بموجه
رأى
قوم يبنون الجسور ويجتازون النهر
ويشيدون القصور
ورأى بجانب القصر أم فقيرة تقلب الطعام على النار
وتغني برضا
وأطفالها ينتظرون الفتات بلهفة
وقطة تموء بجانبهم تنتظر النجدة
و كناري تغرد على الأغصان
ويطل من شرفة القصر طفل أهوج يسترعيه مشهد أبناء جنسه الجائعون
فيحضر كيس الحلوى والبالونات
ليشاركهم اللحظة
محدثين ضجة سعادة
وفي القمقم
يلصق وجهه بزجاجه
ويراقب !
نُشرت بتاريخ
18 August 2012
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق