الاثنين، 4 نوفمبر 2013

نفس


يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
(27)
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً
(28)
فَادْخُلِي فِي عِبَادِي
(29)
وَادْخُلِي جَنَّتِي
(30)
سورة الفجر
..............

وفي وسط هذا الهول المروع ، وهذا العذاب والوثاق ، الذي يتجاوز كل تصور تنادى " النفس " المؤمنة من الملأ
الأعلى :
 " يا أيتها النفس المطمئنة . ارجعي إلى ربك راضية مرضية . فادخلي في عبادي . وادخلي جنتي " . .

 هكذا في عطف وقرب : " يا أيتها " وفي روحانية وتكريم : " يا أيتها النفس " . . وفي ثناء وتطمين . . " يا أيتها النفس المطمئنة " . . وفي وسط الشد والوثاق ، الانطلاق والرخاء : " ارجعي إلى ربك " ارجعي إلى مصدرك بعد غربة الأرض وفرقة المهد .

ارجعي إلى ربك بما بينك وبينه من صلة ومعرفة ونسبة . . " راضية مرضية " بهذه النداوة التي تفيض على الجو
كله بالتعاطف والرضى . . " فادخلي في عبادي " . . المقربين المختارين لينالوا هذه القربى . . " وادخلي جنتي " .

. في كنفي ورحمتي . .
 إنها عطفة تنسم فيها أرواح الجنة . منذ النداء الأول : " يا أيتها النفس المطمئنة " . . المطمئنة إلى ربها . المطمئنة إلى طريقها . المطمئنة إلى قدر الله بها . المطمئنة في السراء والضراء ، وفي البسط والقبض ، وفي المنع والعطاء . المطمئنة فلا ترتاب والمطمئنة فلا تنحرف . والمطمئنة فلا تتلجلج في الطريق . والمطمئنة فلا ترتاع في يوم الهول الرعيب . .

 ثم تمضي الآيات تباعا تغمر الجو كله بالأمن والرضى والطمأنينة ، والموسيقى الرخية الندية حول المشهد ترف بالود والقربى والسكينة .

 ألا إنها الجنة بأنفاسها الرضية الندية ، تطل من خلال هذه الآيات . وتتجلى عليها طلعة الرحمن الجليلة البهية . . .

من ظلال القرآن لسيد قطب *

............

على فراشها استكانت
وأغمضت العينين
وحلقت في عالم آخر 
مختلف
جاء الزوار يبكون فراقها
ويقبلون الجبين 
أنارت كل تفاصيل وجهها
باثَّة فيهم
طمأنينة
غسلَّوها كما العروس
والبسوها ثياب
"حياة"
حملوها
فاذا بها رشيقة
واذا بها تسابقم الى مأواها الجديد
وقفوا يذرفون الدعاء
أغلقت عليها بابها
 وانغمست في 
سعادة أخرى

.........

نُشرت بتاريخ
18 August 2012

في القمقم

إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً
(19)
إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً
(20)
وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً
(21)
سورة المعارج 

............

لكأنما كل كلمة لمسة من ريشة مبدعة تضع خطا في ملامح هذا الإنسان . حتى إذا اكتملت الآيات الثلاث القصار المعدودة الكلمات نطقت الصورة ونبضت بالحياة . وانتفض من خلالها الإنسان بسماته وملامحه الثابتة . هلوعا . . جزوعا عند مس الشر , يتألم للذعته , ويجزع لوقعه , ويحسب أنه دائم لا كاشف له . ويظن اللحظة الحاضرة سرمدا مضروبا عليه ; ويحبس نفسه بأوهامه في قمقم من هذه اللحظة وما فيها من الشر الواقع به .


فلا يتصور أن هناك فرجا ; ولا يتوقع من الله تغييرا . ومن ثم يأكله الجزع , ويمزقه الهلع . ذلك أنه لا يأوي إلى ركن ركين يشد من عزمه , ويعلق به رجاءه وأمله . . منوعا للخير إذا قدر عليه . يحسب أنه من كده وكسبه فيضن به على غيره , ويحتجنه لشخصه , ويصبح أسير ما ملك منه , مستعبدا للحرص عليه !


ذلك أنه لا يدرك حقيقة الرزق ودوره هو فيه . ولا يتطلع إلى خير منه عند ربه وهو منقطع عنه خاوي القلب من الشعور به . . فهو هلوع في الحالتين . . هلوع من الشر . هلوع على الخير . . وهي صورة بائسة للإنسان , حين يخلو قلبه من الإيمان .


ومن ثم يبدو الإيمان بالله مسألة ضخمة في حياة الإنسان . لا كلمة تقال باللسان , ولا شعائر تعبدية تقام . إنه حالة نفس ومنهج حياة , وتصور كامل للقيم والأحداث والأحوال . وحين يصبح القلب خاويا من هذا المقوم فإنه يتأرجح ويهتز وتتناوبه الرياح كالريشة !


ويبيت في قلق وخوف دائم , سواء أصابه الشر فجزع , أم أصابه الخير فمنع . فأما حين يعمره الإيمان فهو منه في طمأنينة وعافية , لأنه متصل بمصدر الأحداث ومدبر الأحوال ; مطمئن إلى قدره شاعر برحمته , مقدر لابتلائه , متطلع دائما إلى فرجه من الضيق , ويسره من العسر . متجه إليه بالخير , عالم أنه ينفق مما رزقه , وأنه مجزي على ما أنفق في سبيله , معوض عنه في الدنيا والآخرة . . فالإيمان كسب في الدنيا يتحقق قبل جزاء الآخرة , يتحقق بالراحة والطمأنينة والثبات والاستقرار طوال رحلة الحياة الدنيا . 

من ظلال القرآن لسيد قطب *
................

في القمقم
انزوى !
يرى من وراء زجاجه فقاقيع متطايرة
لا يستطيع أن يشارك الأطفال فقاقيعهم
ورأى فرشاة ألوان تبدع
لكنه لا يستطيع أن يمسك بالفرشاة
رأى اللوحة تبتسم للفرشاة
وتجذبها اليها 
في تعانق فريد للصداقة
ورأى بساط يُنسج بخيوط مخملية ينسجها بشر يبتسمون ويتسامرون
ورأى فراشات تحلق 
وأزهار ترقص
رأى فتاة صغيرة تجدل ضفائرها على ضفة النهر 
ورأى النهر يحيها بموجه
رأى 
قوم يبنون الجسور ويجتازون النهر
ويشيدون القصور
ورأى بجانب القصر أم فقيرة تقلب الطعام على النار
وتغني برضا
وأطفالها ينتظرون الفتات بلهفة
وقطة تموء بجانبهم تنتظر النجدة
و كناري تغرد على الأغصان
ويطل من شرفة القصر طفل أهوج يسترعيه مشهد أبناء جنسه الجائعون
فيحضر كيس الحلوى والبالونات
ليشاركهم اللحظة
محدثين ضجة سعادة
وفي القمقم
يلصق وجهه بزجاجه 
ويراقب !

نُشرت بتاريخ
18 August 2012

صداقة




مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
(11)
سورة التغابن
...........
 هذا جانب ضخم من التصور الإيماني الذي ينشئه الإسلام في ضمير المؤمن . فيحس يد الله في كل حدث , ويرى يد الله في كل حركة , ويطمئن قلبه لما يصيبه من الضراء ومن السراء . يصبر للأولى ويشكر للثانية . وقد يتسامى إلى آفاق فوق هذا , فيشكر في السراء وفي الضراء ; إذ يرى في الضراء كما في السراء فضل الله ورحمته بالتنبيه أو بالتكفير أو بترجيح ميزان الحسنات , أو بالخير على كل حال .

وفي الحديث المتفق عليه:" عجبا للمؤمن ! لا يقضي الله قضاء إلا كان خيرا له . إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له . وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له . وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن " . .

(ومن يؤمن بالله يهد قلبه). .
وقد فسرها بعض السلف بأنها الإيمان بقدر الله والتسليم له عند المصيبة . وعن ابن عباس يعني يهدي قلبه هداية مطلقة . ويفتحه على الحقيقة اللدنية المكنونة . ويصله بأصل الأشياء والأحداث , فيرى هناك منشأها وغايتها . ومن ثم يطمئن ويقر ويستريح . ثم يعرف المعرفة الواصلة الكلية فيستغني عن الرؤية الجزئية المحفوفة بالخطأ والقصور .

من ظلال القرآن لسيد قطب *

..............

بينها وبين الأرض عصا
تضرب عليها ان هي غضبت
وتربت احيانا عليها ان هي حنّت
شهدت معها كل تفاصيل الزمن
رجل
سكن
أبناء
وطن
انتصار
ذلل
ظلت تبث حكاياها الى صديقتها 
وصديقتها تبث أنين العجوز الى صديقتها الأرض
وفي تلاحم عجيب لمشهد ثلاثتهم
أطل القمر بوجهه الباسم ملقيا تحية المساء 

......

نُشرت بتاريخ
18 August 2012

فرار....


ففرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
(51)
سورة الذاريات

........
تكون تلك البحوث إذن على طريق الحقيقة في ضوء هذا النص العجيب . .
وفي ظل هذه اللمسات القصيرة العبارة الهائلة المدى:في أجواز السماء , وفي آماد الأرض , وفي أعماق الخلائق . يهتف بالبشر ليفروا إلى خالق السماء والأرض والخلائق , متجردين من كل ما يثقل أرواحهم ويقيدها ; موحدين الله الذي خلق هذا الكون وحده بلا شريك .
(ففروا إلى الله , إني لكم منه نذير مبين . ولا تجعلوا مع الله إلها آخر , إني لكم منه نذير مبين). .
والتعبير بلفظ الفرار عجيب حقا . وهو يوحي بالأثقال والقيود والأغلال والأوهاق , التي تشد النفس البشرية إلى هذه الأرض , وتثقلها عن الانطلاق , وتحاصرها وتأسرها وتدعها في عقال . وبخاصة أوهاق الرزق والحرص والانشغال بالأسباب الظاهرة للنصيب الموعود . ومن ثم يجيء الهتاف قويا للانطلاق والتملص والفرار إلى الله من هذه الأثقال والقيود ! الفرار إلى الله وحده منزها عن كل شريك . وتذكير الناس بانقطاع الحجة وسقوط العذر: (إني لكم منه نذير مبين). . وتكرار هذا التنبيه في آيتين متجاورتين , زيادة في التنبيه والتحذير !

من ظلال القرآن لسيد قطب *
............

تسارعت أنفاسه وصاحبتها ضربات قلبه
تفصد جبينه عرقا
وكان يقاوم اللحظات الأخيرة قبل الوصول
دائما هو في عجلة من أمره
ودائما ما يسابق الجميع
في عدوه كان هناك شيء خفي يعيقه
لكنه كان مصمما على بلوغ هدفه مهما كلفه الأمر 
جرى كعداء في سباق مارثون لكن الثقل مازال يعيقه
وسابقه عداءون آخرون 
ظلوا يتنافسون في شراسة أيهم يصل أولا
وأيهم سيحرز ميدالية نجاحه
كم تمنى بشدة أن يصل
لكن خطواته تتباطء 
والثقل يزداد
شعر بأن الخطأ في طريقة عدوه
ألقى نظرة سريعة خلفه علّه يحدد العِلّة
أبصرها
"نفسه" 
تجذبه الى الخلف
كسر سلاسلها
ثم انطلق الى الحرية 

.......

نُشرت بتاريخ
18 August 2012

لسان موت!


يأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ
(6)
سورة الحجرات

............

كان النداء الأول لتقرير جهة القيادة ومصدر التلقي في سورة الحجرات . وكان النداء الثاني لتقرير ما ينبغي من أدب للقيادة وتوقير . وكان هذا وذلك هو الأساس لكافة التوجيهات والتشريعات في السورة .

فلا بد من وضوح المصدر الذي يتلقى عنه المؤمنون , ومن تقرير مكان القيادة وتوقيرها , لتصبح للتوجيهات بعد ذلك قيمتها ووزنهاوطاعتها . ومن ثم جاء هذا النداء الثالث يبين للمؤمنين كيف يتلقون الأنباء وكيف يتصرفون بها , ويقرر ضرورة التثبت من مصدرها:
(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا , أن تصيبوا قوما بجهالة , فتصبحوا على ما فعلتم نادمين). .

ويخصص الفاسق لأنه مظنة الكذب . وحتى لا يشيع الشك بين الجماعة المسلمة في كل ما ينقله أفرادها من أنباء , فيقع ما يشبه الشلل في معلوماتها . فالأصل في الجماعة المؤمنة أن يكون أفرادها موضع ثقتها , وأن تكون أنباؤهم مصدقة مأخوذا بها .

فأما الفاسق فهو موضع الشك حتى يثبت خبره . وبذلك يستقيم أمر الجماعة وسطا بين الأخذ والرفض لما يصل إليها من أنباء . ولا تعجل الجماعة في تصرف بناء على خبر فاسق . فتصيب قوما بظلم عن جهالة وتسرع . فتندم على ارتكابها ما يغضب الله , ويجانب الحق والعدل في اندفاع .

وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله [ ص ] على صدقات بني المصطلق . وقال ابن كثير . قال مجاهد وقتادة:أرسل رسول الله [ ص ] الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يتصدقهم فتلقوه بالصدقة , فرجع فقال:إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك - زاد قتادة وأنهم قد ارتدوا عن الإسلام - فبعث رسول الله [ ص ] خالد بن الوليد - رضي الله عنه - إليهم , وأمره أن يتثبت ولا يعجل , فانطلق حتى أتاهم ليلا , فبعث عيونه , فلما جاءوا أخبروا خالدا - رضي الله عنه - أنهم مستمسكون بالإسلام , وسمعوا أذانهم وصلاتهم , فلما أصبحوا أتاهم خالد - رضي الله عنه - فرأى الذي يعجبه ; فرجع إلى رسول
الله [ ص ] فأخبره الخبر , فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة . قال قتادة:فكان رسول الله [ ص ] يقول:" التثبت من الله والعجلة من الشيطان " . . وكذا ذكر غير واحد من السلف منهم ابن أبي ليلى , ويزيد بن رومان , والضحاك , ومقاتل بن حبان . وغيرهم في هذه الآية أنها نزلت في الوليد بن عقبة . والله أعلم . . [ انتهى كلام ابن كثير في التفسير ] " . .

ومدلول الآية عام , وهو يتضمن مبدأ التمحيص والتثبت من خبر الفاسق ; فأما الصالح فيؤخذ بخبره , لأن هذا هو الأصل في الجماعة المؤمنة , وخبر الفاسق استثناء . والأخذ بخبر الصالح جزء من منهج التثبت لأنه أحد مصادره . أما الشك المطلق في جميع المصادر وفي جميع الأخبار , فهو مخالف لأصل الثقة المفروض بين الجماعة المؤمنة , ومعطل لسير الحياة وتنظيمها في الجماعة .

والإسلام يدع الحياة تسير في مجراها الطبيعي , ويضع الضمانات والحواجز فقط لصيانتها لا لتعطيلها ابتداء . وهذا نموذج من الإطلاق والاستثناء في مصادر الأخبار .

من ظلال القرآن لسيد قطب
..............

لسان يحمل لغة فرقة
و
رائحة موت
ظل ينسج الحكايا كما فحيح الأفعى
اختمرت الجكايا في الأذان
واخترقت القلوب
احتقن القلب
وأصابته صرعة غضب
استل سيف العداوة
وشرع ضربا بالأعناق
سالت دماء طاهرة
واصطبغت الأرصفة بدماء الفرقة
ما احتملت شهادتها الحية على جريمة القتل
فأعلنت الحداد
ووجم المارة من القتلة
وفاحت عفونة الخيانة
وخيم الظلام بسواده معلنا هو الآخر احتجاجه الرسمي على الجريمة
وشاركته الغيوم احتجاجه في صمت معلن
حلّقت غربان فوق الجثث تسترجع ذكريات أجدادها في سن مراسم الدفن
مستنكرة دونية القتل
وموكب جنائزي 
مهيب يتسيد  المدينة
صلاة مودع
ألسنة تتقبل العزاء وتتحسس سبب القتل
يُكتشف لسان الخديعة
يوشك أن يُقتَص منه
يقضي عليه حنق الثائرون دونما قصاص
يكره ذاته
و تشمر الحقيقة عن سواعدها !

نُشرت بتاريخ
16 August 2012

هوى...


أفرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
(23)
سورة الجاثية 

..........

 يشير إلى الهوى المتقلب . الهوى الذي يجعل منه بعضهم إلهاً يتعبده . فيضل ضلالاً لا اهتداء بعده , والعياذ بالله
(أفرأيت من اتخذ إلهه هواه , وأضله الله على علم , وختم على سمعه وقلبه , وجعل على بصره غشاوة ? فمن يهديه من بعد الله ? أفلا تذكرون ?). .

والتعبير القرآني المبدع يرسم نموذجاً عجيباً للنفس البشرية حين تترك الأصل الثابت , وتتبع الهوى المتقلب وحين تتعبد هواها , وتخضع له , وتجعله مصدر تصوراتها وأحكامها ومشاعرها وتحركاتها . وتقيمه إلهاً قاهراً لها , مستولياً عليها , تتلقى إشاراته المتقلبة بالطاعة والتسليم والقبول . يرسم هذه الصورة ويعجِّب منها في استنكار شديد:
(أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ?).
.
أفرأيته ? إنه كائن عجيب يستحق الفرجة والتعجيب ! وهو يستحق من الله أن يضله , فلا يتداركه برحمة الهدى . فما أبقى في قلبه مكاناً للهدى وهو يتعبد هواه المريض !
(وأضله الله على علم). .

على علم من الله باستحقاقه للضلالة . أو على علم منه بالحق , لا يقوم لهواه ولا يصده عن اتخاذه إلهاً يطاع . وهذا يقتضي إضلال الله له والإملاء له في عماه:
(وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة). .

فانطمست فيه تلك المنافذ التي يدخل منها النور ; وتلك المدارك التي يتسرب منها الهدى . وتعطلت فيه أدوات الإدراك بطاعة للهوى طاعته العبادة والتسليم .
(فمن يهديه من بعد الله ?). .

والهدى هدى الله . وما من أحد يملك لأحد هدى أو ضلالة . فذلك من شأن الله , الذي لا يشاركه فيه أحد , حتى رسله المختارون .
(أفلا تذكرون ?). .

ومن تذكر صحا وتنبه , وتخلص من ربقة الهوى , وعاد إلى النهج الثابت الواضح , الذي لا يضل سالكوه . .

من ظلال القرآن لسيد قطب *

...........

سلبته الألوان روحه
وسحرته
نظر اليها مطولا 
مطلقا لخياله العنان
أصابته حمى هواها
فعَشِقَ 
ظلت تنومه بمعسول حديثها ...فاصابته بسهمها
اخترقه في لحيظة
 فاسْتَسْلَم لِخُدرِها
 غَطَّ في سبات جنتها
 سمع همهات تحسده على ذاك العشق
فَاسْتَحسن ثرثرة العشاق
ونسج الزمن منه أسطورة هوى
وظل متسمرا مكانه
كثر زواره يُأمِلون أنفسهم بهوى مماثل
وتعالت الأصوات أن هَلمُّوا
أقتربوا من منحوتة هواه
فاذا به 
معصوب العينين بخيوط شرنقتها !

...........
  
نُشرت بتاريخ
16 August 2012

من خلف البوابة...


قل يا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 
(53)
وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ
(54)
سورة الزمر

..........

إنها الرحمة الواسعة التي تسع كل معصية . كائنة ما كانت وإنها الدعوة للأوبة . دعوة العصاة المسرفين الشاردين المبعدين في تيه الضلال . دعوتهم إلى الأمل والرجاء والثقة بعفو الله . إن الله رحيم بعباده . وهو يعلم ضعفهم وعجزهم . ويعلم العوامل المسلطة عليهم من داخل كيانهم ومن خارجه . ويعلم أن الشيطان يقعد لهم كل مرصد . ويأخذ عليهم كل طريق . ويجلب عليهم بخيله ورجله . وأنه جاد كل الجد في عمله الخبيث !

ويعلم أن بناء هذا المخلوق الإنساني بناء واه . وأنه مسكين سرعان ما يسقط إذا أفلت من يده الحبل الذي يربطه والعروة التي تشده . وأن ما ركب في كيانه من وظائف ومن ميول ومن شهوات سرعان ما ينحرف عن التوازن فيشط به هنا أو هناك ; ويوقعه في المعصية وهو ضعيف عن الاحتفاظ بالتوازن السليم . .

يعلم الله - سبحانه - عن هذا المخلوق كل هذا فيمد له في العون ; ويوسع له في الرحمة ; ولا يأخذه بمعصيته حتى يهيىء له جميع الوسائل ليصلح خطأه ويقيم خطاه على الصراط . وبعد أن يلج في المعصية , ويسرف في الذنب , ويحسب أنه قد طرد وانتهى أمره , ولم يعد يقبل ولا يستقبل . في هذه اللحظة لحظة اليأس والقنوط , يسمع نداء الرحمة الندي اللطيف:

قل يا عبادي الذين اسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله . إن الله يغفر الذنوب جميعاً . إنه هو الغفور الرحيم . .
وليس بينه - وقد أسرف في المعصية , ولج في الذنب , وأبق عن الحمى , وشرد عن الطريق - ليس بينه وبين الرحمة الندية الرخية , وظلالها السمحة المحيية . ليس بينه وبين هذا كله إلا التوبة . التوبة وحدها . الأوبة إلى الباب المفتوح الذي ليس عليه بواب يمنع , والذي لا يحتاج من يلج فيه إلى استئذان:
(وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون . واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون). .

الإنابة . والإسلام . والعودة إلى أفياء الطاعة وظلال الاستسلام . . هذا هو كل شيء . بلا طقوس ولا مراسم ولا حواجز ولا وسطاء ولا شفعاء !

إنه حساب مباشر بين العبد والرب . وصلة مباشرة بين المخلوق والخالق . من أراد الأوبة من الشاردين فليؤب . ومن أراد الإنابة من الضالين , فلينب . ومن أراد الاستسلام من العصاة فليستسلم . وليأت . . ليأت وليدخل فالباب مفتوح . والفيء والظل والندى والرخاء:كله وراء الباب لا حاجب دونه ولا حسيب !

وهيا . هيا قبل فوات الأوان . هيا (من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون). . فما هنالك من نصير . هيا فالوقت غير مضمون . وقد يفصل في الأمر وتغلق الأبواب في أية لحظة من لحظات الليل والنهار . هيا .

من ظلال القرآن لسيد قطب *

.........

بوابة عملاقة...
بَرَّاقة ...
مزركشة بألوان انسان...
مغلقة بمزلاج عتيق...
تفصلها عنه فيض سعادة...
أرض سلام ...
وطيف رحمة...
من خلف البوابة وقف...
شرد بعيدا...
يشاهد صورنفسه المشوهة ...
يحاول طردها بكلتا يديه ...
تُلح عليه في المطاردة ...
يسرع الخطى منها في خياله ...
وتصيبه وخزة يأس
يختنق... يَلهَث كما ظمأى الصحراء...
ويحيطه اسوداد ...
يحني رأسه الى الأرض في خجل...
يذرف دموع ندم مختلطة بيأس...
يسمع للبوابة همس...
ينصت في اهتمام...
حقا انها تناديه !
يقترب
يحرك المزلاج في صعوبة
تنفتح البوابة
وينبعث منها أشعة باهرة تغمره
ينتقل الى ماوراء البوابة
و لا ينظر خلفه !

نُشرت بتاريخ
15 August 2012

هجرة نفس



وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ
(99)
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ
(100)
فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ
(101)
سورة الصافات

..........

تجيء الحلقة الثانية من قصة إبراهيم  في سورة الصافات. . لقد انتهى أمره مع أبيه وقومه . لقد أرادوا به الهلاك في النار التي أسموها الجحيم , وأراد الله أن يكونوا هم الأسفلين ; ونجاه من كيدهم أجمعين .

عندئذ استدبر إبراهيم مرحلة من حياته ليستقبل مرحلة ; وطوى صفحة لينشر صفحة:
(وقال:إني ذاهب إلى ربي سيهدين). .

هكذا . . إني ذاهب إلى ربي . . إنها الهجرة . وهي هجرة نفسية قبل أن تكون هجرة مكانية . هجرة يترك وراءه فيها كل شيء من ماضي حياته . يترك أباه وقومه وأهله وبيته ووطنه وكل ما يربطه بهذه الأرض , وبهؤلاء الناس .
 ويدع وراءه كذلك كل عائق وكل شاغل . ويهاجر إلى ربه متخففاً من كل شيء , طارحاً وراءه كل شيء , مسلماً نفسه لربه لا يستبقي منها شيئاً . موقن أن ربه سيهديه , وسيرعى خطاه , وينقلها في الطريق المستقيم .

إنها الهجرة الكاملة من حال إلى حال , ومن وضع إلى وضع , ومن أواصر شتى إلى آصرة واحدة لا يزحمها في النفس شيء . إنه التعبير عن التجرد والخلوص والاستسلام والطمأنينة واليقين .

وكان إبراهيم حتى هذه اللحظة وحيداً لا عقب له ; وهو يترك وراءه أواصر الأهل والقربى , والصحبة والمعرفة . وكل مألوف له في ماضي حياته , وكل ما يشده إلى الأرض التي نشأ فيها , والتي انحسم ما بينه وبين أهلها الذين ألقوه في الجحيم ! فاتجه إلى ربه الذي أعلن أنه ذاهب إليه . اتجه إليه يسأله الذرية المؤمنة والخلف الصالح:
(رب هب لي من الصالحين). .

واستجاب الله دعاء عبده الصالح المتجرد , الذي ترك وراءه كل شيء , وجاء إليه بقلب سليم . .
(فبشرناه بغلام حليم). .

هو إسماعيل - كما يرجح سياق السيرة والسورة - وسنرى آثار حلمه الذي وصفه ربه به وهو غلام . ولنا أن نتصور فرحة إبراهيم الوحيد المفرد المهاجر المقطوع من أهله وقرابته . لنا أن نتصور فرحته بهذا الغلام , الذي يصفه ربه بأنه حليم .

من ظلال القرآن لسيد قطب *
...........

نيران تتوعده
وأدخنة كِبر تحاوطه...
وعناد عقول يغلق عليه الدائرة ...
يوشك أن يحترق...
يحادثها ربها أن كوني بردا وسلاما على خليلي...
تُقبل بلهبها الرحيم جبينه ...
يأنس ببرودتها ويطمئن قلبه...
يخرج منها سالما...الى أرض ذاته...
محطما كل قيود قومه...
تاركا كل أساطير الماضي...
والى أرض ذاته ...
استزاد بخليله...
وذهب اليه في دواخل نفسه...علّه يهديه ...
وطلبَ طَلُب المُحب...
أن أقر عيني بقِطَع مني...
فاقتطع له من حِلمه حِلم....

........

نٌشرت بتاريخ
15 August 2012

أمانة ...


انا عرضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً
(73)
سورة الأحزاب

.........

وهذا القمر . وهذه النجوم والكواكب , وهذه الرياح والسحب . وهذا الهواء وهذا الماء . . وهذه الجبال . وهذه الوهاد . . كلها . . كلها . . تمضي لشأنها , بإذن ربها , وتعرف بارئها , وتخضع لمشيئته بلا جهد منها ولا كد ولا محاولة . . لقد أشفقت من أمانة التبعة . أمانة الإرادة . أمانة المعرفة الذاتية . أمانة المحاولة الخاصة .
(وحملها الإنسان). .

الإنسان الذي يعرف الله بإدراكه وشعوره . ويهتدي إلى ناموسه بتدبره وبصره . ويعمل وفق هذا الناموس بمحاولته وجهده . ويطيع الله بإرادته وحمله لنفسه , ومقاومة انحرافاته ونزغاته , ومجاهدة ميوله وشهواته . . وهو في كل خطوة من هذه الخطوات مريد . مدرك . يختار طريقه وهو عارف إلى أين يؤدي به هذا الطريق !
إنها أمانة ضخمة حملها هذا المخلوق الصغير الحجم , القليل القوة , الضعيف الحول , المحدود العمر ; الذي تناوشه الشهوات والنزعات والميول والأطماع . .

وإنها لمخاطرة أن يأخذ على عاتقه هذه التبعة الثقيلة . ومن ثم (كان ظلوما) لنفسه (جهولا) لطاقته . هذا بالقياس إلى ضخامة ما زج بنفسه لحمله . فأما حين ينهض بالتبعة . حين يصل إلى المعرفة الواصلة إلى بارئه , والاهتداء المباشر لناموسه , والطاعة الكاملة لإرادة ربه . المعرفة والاهتداء والطاعة التي تصل في طبيعتها وفي آثارها إلى مثل ما وصلت إليه من سهولة ويسر وكمال في السماوات والأرض والجبال . . الخلائق التي تعرف مباشرة , وتهتدي مباشرة , وتطيع مباشرة , ولا تحول بينها وبين بارئها وناموسه وإرادته الحوائل . ولا تقعد بها المثبطات عن الانقياد والطاعة والأداء . . حين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة وهو واع مدرك مريد . فإنه يصل حقا إلى مقام كريم , ومكان بين خلق الله فريد .

إنها الإرادة والإدراك والمحاولة وحمل التبعة . . هي هي ميزة هذا الإنسان على كثير من خلق الله . وهي هي مناط التكريم الذي أعلنه الله في الملأ الأعلى , وهو يسجد الملائكة لآدم . وأعلنه في قرآنه الباقي وهو يقول: (ولقد كرمنا بني آدم). . فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند الله . ولينهض بالأمانة التي اختارها ; والتي عرضت على السماوات والأرض والجبال , فأبين أن يحملنها , وأشفقن منها . . . !

ذلك كان . .(ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات , ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات . وكان الله غفورا رحيما). .

فاختصاص الإنسان بحمل الأمانة ; وأخذه على عاتقه أن يعرف بنفسه , ويهتدي بنفسه , ويعمل بنفسه , ويصل بنفسه . . هذا كان ليحتمل عاقبة اختياره , وليكون جزاؤه من عمله . وليحق العذاب على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات . وليمد الله يد العون للمؤمنين والمؤمنات , فيتوب عليهم مما يقعون فيه تحت ضغط ما ركب فيهم من نقص وضعف , وما يقف في طريقهم من حواجز وموانع , وما يشدهم من جواذب وأثقال . . فذلك فضل الله وعونه . وهو أقرب إلى المغفرة والرحمة بعباده: (وكان الله غفورا رحيما) . .

 من ظلال القرآن لسيد قطب *

............

سرب حمام شرع يحلق و حمل رسائل سلام
 من أهل الأرض الى أهل السماء أدرك أهل السماء حِمل أهل الأرض
فأشفقوا وأسروا للسماء ...
حزنت لهم فبكتهم مطر رحمة....
هَلَلَ أهل الأرض بسقيا الخير...
غسلوا هموم ذواتهم...
وشرعوا يغرسون...

نُشرت بتاريخ
15 August 2012

أطوار...


الله الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54)  سورة الروم
............

 (الله الذي خلقكم من ضعف)
. . ولم يقل خلقكم ضعافا أو في حالة ضعف إنما قال: (خلقكم من ضعف)كأن الضعف مادتهم الأولى التي صيغ منها كيانهم . . والضعف الذي تشير الآية إليه ذو معان ومظاهر شتى في تكوين هذا الإنسان .
إنه ضعف البنية الجسدية الممثل في تلك الخلية الصغيرة الدقيقة التي ينشأ منها الجنين . ثم في الجنين وأطواره وهو فيها كلها واهن ضعيف . ثم في الطفل والصبي حتى يصل إلى سن الفتوة وضلاعة التكوين .

ثم هو ضعف المادة التي ذرأ منها الإنسان . الطين . الذي لولا نفخة من روح الله لظل في صورته المادية أو في صورته الحيوانية , وهي بالقياس إلى الخلقة الإنسانية ضعيفة ضعيفة .

ثم هو ضعف الكيان النفسي أمام النوازع والدفعات , والميول والشهوات , التي لولا النفخة العلوية وما خلقت في تلك البنية من عزائم واستعدادات , لكان هذا الكائن أضعف من الحيوان المحكوم بالإلهام .

(الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة)
. . قوة بكل تلك المعاني التي جاءت في الحديث عن الضعف . قوة في الكيان الجسدي , وفي البناء الإنساني , وفي التكوين النفسي والعقلي .

(ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة). .
ضعفا في الكيان الإنساني كله . فالشيخوخة انحدار إلى الطفولة بكل ظواهرها . وقد يصاحبها انحدار نفسي ناشئ من ضعف الإرادة حتى ليهفو الشيخ أحيانا كما يهفو الطفل , ولا يجد من إرادته عاصما . ومع الشيخوخة الشيب , يذكر تجسيما وتشخيصا لهيئة الشيخوخة ومنظرها .

وإن هذه الأطوار التي لا يفلت منها أحد من أبناء الفناء , والتي لا تتخلف مرة فيمن يمد له في العمر , ولا تبطئ مرة فلا تجيء في موعدها المضروب .

إن هذه الأطوار التي تتعاور تلك الخليقة البشرية لتشهد بأنها في قبضة مدبرة , تخلق ما تشاء , وتقدر ما تشاء , وترسم لكل مخلوق أجله وأحواله وأطواره , وفق علم وثيق وتقدير دقيق:
(يخلق ما يشاء وهو العليم القدير). .


من ظلال القرآن لسيد قطب *

..........

صغير جدا...
ينكفيء على ذاته...
تحيطه ظلمة ...
يتحسس الضوء... ويتسمع صوت موج....
يشعر بدفيء عجيب...
يظل على حالة تأمله زمن...
يألف السكن...
ثم تأتي لحظة خروج... الى عالم صخب...
يخرج...
يصرخ ...
ويرسم بصرخته بسمة على أفواه... المكان هنا أكثر اتساعا...
والروائح مختلطة ...
في الداخل كان أكثر أمنا...
هنا الأصوات كثيرة ومتداخلة...
ألتقفته أيد بها حرارة عجيبة...
قشعريرة تصيبه...
خواء
وشعور بالنقص...
وخزة جوع
ثم بكاء ...
تحتضنه وتلقمه ثديها...
وترتوي تفاصيله بها...
يسكن.. يخلد للنوم...
ويستيقظ من سبات حنان...
يحبو..
يقف...
ويطيح بكل تفاصيل غرفته...
يقفز على لحظات حياته...
يتعلق بأسوار شبابه..
ويُفتَتَن..
يمكث زمن...
ويتدحرج كما الكُرة...
ينحني نحو أرض..
ثم
يغوص !

نُشرت بتاريخ
11 August 2012

بَيْنَ ...بَيْن


 آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
(77)
سورة القصص

.........

(وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة , ولا تنس نصيبك من الدنيا). .
وفي هذا يتمثل اعتدال المنهج الإلهي القويم . المنهج الذي يعلق قلب واجد المال بالآخرة . ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من المتاع في هذه الحياة . بل يحضه على هذا ويكلفه إياه تكليفا , كي لا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها .

لقد خلق الله طيبات الحياة ليستمتع بها الناس ; وليعملوا في الأرض لتوفيرها وتحصيلها , فتنمو الحياة وتتجدد , وتتحقق خلافة الإنسان في هذه الأرض . ذلك على أن تكون وجهتهم في هذا المتاع هي الآخرة , فلا ينحرفون عن طريقها , ولا يشغلون بالمتاع عن تكاليفها . والمتاع في هذه الحالة لون من ألوان الشكر للمنعم , وتقبل لعطاياه , وانتفاع بها . فهو طاعة من الطاعات يجزي عليها الله بالحسنى .

وهكذا يحقق هذا المنهج التعادل والتناسق في حياة الإنسان , ويمكنه من الارتقاء الروحي الدائم من خلال حياته الطبيعية المتعادلة , التي لا حرمان فيها , ولا إهدار لمقومات الحياة الفطرية البسيطة .

(وأحسن كما أحسن الله إليك). .
فهذا المال هبة من الله وإحسان . فليقابل بالإحسان فيه . إحسان التقبل وإحسان التصرف و الإحسان به إلى الخلق , وإحسان الشعور بالنعمة , وإحسان الشكران .

(ولا تبغ الفساد في الأرض). .
الفساد بالبغي والظلم . والفساد بالمتاع المطلق من مراقبة الله ومراعاة الآخرة . والفساد بملء صدور الناس بالحرج والحسد والبغضاء والفساد بإنفاق المال في غير وجه أو إمساكه عن وجهه على كل حال .
(إن الله لا يحب المفسدين)
. . كما أنه لا يحب الفرحين .
المأخوذين بالمال , المتباهين , المتطاولين بسلطانه على الناس .

من ظلال القرآن لسيد قطب *

..............

بيْنَ ...بَيْن
...
يأخذ نفسا عميقا
يغمض العينين 
....
يشرد بعيدا
ويفرد الجناحين
....
خطوة
اثنان
يتأرجح
يوازن نفسه
يعاود الكرة من جديد
......
ونحو المشرقين
......
يتراقص على الحبل في سلاسة
وتتزن الكفتين
......يرى عجائب
 ألوان
سحر
أطياف 
......
يستمر محلقا
فاردا الذراعين
.....
رائحة عطر
دفء
واحمرار وجنتين
.....
صوت
صوتين
....
يوم
يومين
....
وقصيديتين
....
مطر
فراشات
أزهار 
وفُرشتين
.....
صندوق خشبي
و
صورتين
.....
بَيْنَ ...بَيْن
....
وحلق سعيدا بَيْنَ بَيْن
...

نُشرت بتاريخ
11 August 2012

في التاكسي ....


 حادثة سينا 
وشهدا مالهمش ذنب ماتوا
وكهربا بتقطع على احياء بالكامل وتقوم الصبح تلاقي انوار الشوارع والعة ...عادي جدا
سواد من كل حتة يحاوطك
المهم 
ركبت تاكسي  وكعادة السواقين الرغي ابتدا
انت مخطوبة : في سري" الله يخرب بيت ابو ده سؤال وانت مال اهلك " بصوت انثوي رقيق وابتسامة رمضانية شاحبة من قلة الطعام " : الحقيقة لا يا عم الحج
السواق : ربنا يكرمك يا بنتي
انت روجك حلوة
في سري : "الله يسامحني شتمتك في سري يا حج وانت بتشكر فيا والله انا كائن هلامي"
بنفس ذات الصوت والابتسامة الشاحبة : الله يخليك يا عمو 
السواق : انت في كلية ايه طيب
حضرتك انا متخرجة بقالي 6 سنين
السواق "مش باين عليكي خالص
في سري وبصوت عالي " الله يكرمك ده بس من ذوقك
السواق : يا بنتي تفائلي كده انا بحب التفاؤل
انا من عادتي من وانا صغير اتفائل وادي للقدامي شحنة تفاؤل
في سري " حد قالك ياعم الحج اني منهارة الله يخرب بيت ابو دي ثقافة حمضانة "
واستطرد ...تعرفي 
كان ليا بنت اخ عندها 34 سنة وجالها عريس المهم كتب كتابها كان يوم 28 يوم جمعة الغضب
انا كنت فرحان جدا لانها بنت كويسة قوي
واصريت انها تكتب الكتاب
يوم الغضب
ضحكت من الصدفة التاريخية الثورية
وبتعليق ابله لا لزوم له : بجد يا عمو طب وازاي في الهيصة دي
السواق : عادي جدا ده احنا اصرينا على ان الكتاب لازمن يتكتب البنت كانت مضايقة وبتقول انها فقرية وماكنتش عايزة تكتب
المهم كتبت الكتاب
وتاني يوم اتفقنا تكون دخلتها ع الضهرية ونعملها هيصة وظمبليطة 
أنا بدهشة بلهاء : ازاي  ها؟
السواق : آه والله يابنتي احنا كلمينا الكااوفيرا وجت في المعاد الساعة 12 الضهر وذوقتها 
وزفنيها اجدع زفة وكانت معانا وجبات
نزلت عند اقرب دبابة عشان يتصور العرسان معاهم في الاول العساكر كانوا مغلسين
بس حبة كده وفكوا واديناهم وجبات انتي عارفة يابنتي العساكر دول غلابة
فرحوا جدا بالوجبات واتصوروا مع العرسان ونشرناها ع الانتيرنيت
والموقف ده قرب البنت من جوزها خصوصا انها جوازة صالونات
وبعديها حصل التنحي
بس 
افرحي كده يا بنتي 
"يابنتي دي كانت طالعة من بقه زي مايكون ابويا"
ان شاء الله الي جاي احسن 
وصلت لمكاني سلمت ع السواق الي جالي في توقيت غريب بقصة اغرب عن ثورة اغرب وفي لحظة مفروض اني اولع فيها في نفسي بس كنت عاملة عبيطة
لحظة سواد م البلد والي حاصل
سلمت عليه ونزلت وحمدت ربنا ان فيه ناس ربنا خلقها في الحياة عشان بس تسعد الي حواليها بكلمة طيبة
ممكن ما يكونش الوقت ده يجوز فيه التفاؤل ولا الدعوة ليه لان الوضع يخلي التفاؤل نفسه ينكسف على عينه
بس حسيت ان السواق ده ربنا بعتهولي مخصوص عشان يقولي 
"الثورة مستمرة "
وهتنجح
معرفش ازاي بس ده الي حسيته
شكرت ربنا انا لسة في سواقين محترمين 
وقلت لعل الله يحدث بعد ذلك امرا

نُشرت بتاريخ
10 August 2012